ابن كثير

336

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

للشخص الواحد قلبان في جوفه ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله أنت علي كظهر أمي أما له ، كذلك لا يصير الدعي ولدا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له ، فقال ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ كقوله عز وجل ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ [ المجادلة : 2 ] الآية . وقوله تعالى : وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ هذا هو المقصود بالنفي ، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه مولى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة ، فكان يقال له زيد بن محمد ، فأراد اللّه تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى : وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ كما قال تعالى في أثناء السورة ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [ الأحزاب : 40 ] وقال هاهنا ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ يعني تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا ، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر ، فما يمكن أن يكون أبوان كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ قال سعيد بن جبير يَقُولُ الْحَقَّ أي العدل ، وقال قتادة وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أي الصراط المستقيم . وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين ، وأنه كان يزعم أن له قلبين كل منهما بعقل وافر ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ردا عليه . هكذا روى العوفي عن ابن عباس ، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة واختاره ابن جرير . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا حسن ، حدثنا زهير عن قابوس يعني ابن أبي ظبيان ، قال : إن أباه حدثه قال : قلت لابن عباس : أرأيت قول اللّه تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ما عنى بذلك ؟ قال : قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما يصلي فخطر خطرة ، فقال المنافقون الذين يصلون معه : ألا ترون له قلبين : قلبا معكم وقلبا معهم ، فأنزل اللّه تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وهكذا رواه الترمذي « 2 » عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الدارمي عن صاعد الحراني ، عن عبد بن حميد وعن أحمد بن يونس ، كلاهما عن زهير وهو ابن معاوية به . ثم قال : وهذا حديث حسن ، وكذا رواه ابن جرير وابن حاتم من حديث زهير به . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري في قوله تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قال بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ضرب له مثل : يقول ليس ابن رجل آخر ابنك « 3 » ، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد أنها نزلت في زيد بن حارثة رضي اللّه عنه ، وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير واللّه سبحانه وتعالى أعلم . وقوله عز وجل ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم

--> ( 1 ) المسند 1 / 267 ، 268 . ( 2 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 33 ، باب 1 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 10 / 256 .